محمد بن علي الشوكاني

1218

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والثاني : وهو قوله : { أو كسبت في إيمانها خيرا } ( 1 ) لبيان حال النفس التي قد آمنت قبل مجيء الآية ، ولم تعمل خيرا من قبل ذلك ، فلا بد من ذلك الترديد لبيان حال النفسين ، ولا يغني أحدهما عن الآخر قطعا ، وهذا هو المطابق [ 5 أ ] لما ورد من الأحاديث الدالة على أن بعض الآيات المذكورة في الآية الكريمة هي طلوع الشمس ( 2 ) من مغربها ، وأن عندها يغلق باب التوبة ، فالنفس التي لم تؤمن من قبل مجيئها لم ينفعها إيمانها قطعا ، لأن الإيمان توبة عن الشرك ، وهي غير مقبولة ، لأنه قد غلق بابها ، والنفس التي قد كانت آمنت من قبل لمجيئها ولم تكسب في إيمانها خيرا لم ينفعها إيمانها أيضا ، لعدم إمكان تدارك التفريط الحاصل منها بالتوبة ، لأنه قد غلق بابها ، على أن إيمانها الواقع من قبل مجيء الآية مع عدم كسب خير فيه أصلا كالإيمان عند من يقول : الإيمان قول وعمل ، وعليه الجماهير من العلماء . وكذلك عند من جعل الأعمال شرطا في الإيمان ، فهذا ما دلت عليه الآية الكريمة من غير تكلف ، ولا تعسف ، ولا تأويل ، ولا إخراج للكلام عن ظاهره ، ولا اعتبار تقدير لفص في الكلام مع الخلوص عما ذكر في الآية من الإشكالات على كلمة " أو " . فإن قلت : فقد ورد في الأحاديث ما يقضي بنفع الإيمان المجرد يوما ما ، والآية الكريمة دلت على عدم نفعه مطلقا . قلت : قوله تعالى في الآية الكريمة : { لا ينفع نفسا إيمانها } ( 3 ) يحتمل أن يراد به الإيمان الواقع عند مجيء بعض الآيات في حق النفس التي قد كانت آمنت من قبل ولم

--> ( 1 ) [ الأنعام : 158 ] ( 2 ) ( ومنها ) : ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 39 / 2901 ) عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : اطلع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علينا ونحن نتذاكر . فقال : " ما تذاكرون ؟ " قالوا : نذكر الساعة . قال : " إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات " فذكر الدخان ، والدجال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها ، ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج ، وثلاثة خسوف : خسف بالمشرق وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب . وآخر ذلك نار تخرج من اليمن ، تطرد الناس إلى محشرهم . ( 3 ) [ الأنعام : 158 ]